محمد بن جرير الطبري

253

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فأما الذين فتحوا " السين " من " السلم " ، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة ، بمعنى : ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية . وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من " السين " فإنهم مختلفون في تأويله . فمنهم من يوجهه إلى الإسلام ، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة ، ومنهم من يوجّهه إلى الصلح ، بمعنى : ادخلوا في الصلح ، ويستشهد على أن " السين " تكسر ، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى : وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا . . . بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ ( 1 ) وأولى التأويلات بقوله : " ادخلوا في السلم " ، قول من قال : معناه : ادخلوا في الإسلام كافة . وأمّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك ، فقراءة من قرأ بكسر " السين " لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام : ودوام الأمر الصالح عند العرب ، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة ، وينشد بيت أخي كندة : دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا . . . رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا ( 2 )

--> ( 1 ) ديوانه : 16 من معلقته النبيلة . والضمير في " قلتما " للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان ، وذلك في حرب عبس وذبيان . وقوله : " واسعًا " أي : قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب . وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما ، ليصطلح الناس . ( 2 ) من أبيات لامرئ القيس بن عابس الكندي وتروى لغيره . المؤتلف والمختلف : 9 والوحشيات : 75 وغيرهما وكان امرؤ القيس قد وفد على رسول الله صلى اله عليه وسلم ولم يرتد في أيام أبي بكر ، وأقام على الإسلام وكان له في الردة غناء وبلاء ، وقد قال الأبيات في زمن الردة وقبل البيت : أَلاَ أَبْلِغْ أبَا بَكْرٍ رَسُولاً . . . وَأَبْلِغْهَا جَمِيعَ المُسْلِمِينَا فَلَسْتُ مُجَاوِرًا أَبَدًا قَبِيلاً . . . بِمَا قَالَ الرَّسُولُ مُكَذِّبِينَا دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ حَتَّى رَأَيْتُهُمُ أَغَارُوا مُفْسِدينَا